عبد القادر الجيلاني

45

فتوح الغيب

--> - العبادة ، إذا لم يقصد به ذلك كان ذلك نقصا من العبد وفوات حسنة ، وخير يحبّه اللّه . ففي الصحيحين [ خ ( 56 ) وم ( 1628 ) ] عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال لسعد : « إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه اللّه ، إلّا ازددت بها درجة ورفعة ، حتّى اللّقمة تضعها في فيّ امرأتك » . وقال في الصحيح [ خ ( 55 ) وم ( 1002 ) ] : « نفقة المسلم على أهله يحتسبها صدقة » . فما لا يحتاج إليه من المباحات ، أو يحتاج إليه ولم يصحبه إيمان يجعله حسنة ، فعدمه خير من وجوده ، إذا كان مع عدمه يشتغل بما هو خير منه . وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم [ مسلم ( 1006 ) ] : « في بضع أحدكم صدقة » . قالوا : يا رسول اللّه ، يأتي أحدنا شهوته ، ويكون له فيها أجر ؟ ! قال : « أرأيتم لو وضعها في الحرام ، أما كان عليه وزر ؟ » . قالوا : بلى ، يا رسول اللّه . قال : « فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له بها أجر » ، فلم تعتدون بالحرام ، ولا تعتدون بالحلال . وذلك أن المؤمن عند شهوة النكاح يقصد أن يعدل عمّا حرّمه اللّه إلى ما أباحه اللّه ، ويقصد فعل المباح معتقدا أن اللّه أباحه ، « واللّه يحب أن يؤخذ برخصه ، كما يكره أن تؤتى معصيته » كما رواه الإمام أحمد في المسند [ 5865 ] ورواه غيره . ولهذا أحب القصر والفطر في السفر ، فعدول المؤمن عن الرّهبانية والتشديد ، وتعذيب النفس الذي لا يحبّه اللّه إلى ما يحبه اللّه من الرخصة هو من الحسنات التي يثيبه اللّه عليها ، وإن فعل مباحا لما اقترن به من الاعتقاد والقصد الذين كلاهما طاعة للّه ورسوله ، ف « إنّما الإعمال بالنيات ، وإنما لكل امرى ما نوى » . وأيضا : فالعبد مأمور بفعل ما يحتاج إليه من المباحات ، هو مأمور بالأكل عند الجوع ، والشرب عند العطش ، ولهذا يجب على المضطر إلى الميتة أن يأكل منها ، ولو لم يأكل حتّى مات كان مستوجبا للوعيد ، كما هو قول جماهير العلماء من الأئمة الأربعة وغيرهم . وكذلك هو مأمور بالوطء عند حاجته إليه ، بل هو مأمور بنفس عقد النّكاح إذا احتاج إليه وقدر عليه . فقول النبي صلّى اللّه عليه وسلم : « في بضع أحدكم صدقة » . فإن المباضعة مأمور بها لحاجته ولحاجة [ في نسخة : وحاجة ] المرأة إلى ذلك ، فإنّ قضاء حاجتها التي لا تنقضي إلّا به بالوجه المباح صدقة . والسلوك سلوكان : [ الأول ] « سلوك الأبرار أهل اليمين » : وهو أداء الواجبات وترك المحرمات باطنا وظاهرا . والثاني « سلوك المقرّبين السّابقين » : وهو فعل الواجب والمستحب بحسب الإمكان ، وترك المكروه والمحرّم ، كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم [ خ ( 6858 ) وم ( 1373 ) ] : « إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه ، وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم » . وكلام الشيوخ الكبار كالشيخ عبد القادر وغيره يشير إلى هذا السلوك ، ولهذا يأمرون بما هو مستحب غير واجب ، وينهون عمّا هو مكروه غير محرّم ، فإنّهم يسلكون بالخاصّة مسلك الخاصّة ، وبالعامّة مسلك العامّة . وطريق الخاصة طريق المقربين : أن لا يفعل العبد إلّا ما أمر به ، ولا يريد إلا ما أمر [ في نسخة : أمره ] اللّه ورسوله بإرادته ، وهو ما يحبّه اللّه ويرضاه ، ويريده إرادة دينيّة وشرعيّة ، وإلا فالحوادث كلها مرادة له خلقا وتكوينا والوقوف مع الإرادة الخلقية القدرية مطلقا غير مقدور عقلا ، ولا مأمور شرعا ، وذلك لأنّ من الحوادث ما يجب دفعه ولا تجوز إرادته ، كمن أراد تكفير الرجل ، أو تكفير أهله ، أو الفجور به ، أو بأهله ، أو أراد قتل النّبيّ وهو قادر على دفعه ، أو أراد إضلال الخلق وإفساد دينهم ودنياهم . فهذه -